ابن عربي
25
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ التوحيد الثلاثون في القرآن ، توحيد الحياة ، وهو توحيد الكل : ] هذا هو التوحيد الثلاثون في القرآن وهو توحيد الحياة ، وهو توحيد الكل ، وهو من توحيد الهوية الخالصة ، والحياة شرط في كل مسبح ، وما من شيء من العالم إلا وهو مسبح بحمده ، فتوحيد الحياة توحيد الكل ، ولا ثناء أكمل من الثناء بالأحدية ، فإن فيها عدم المشاركة ، فالتوحيد أفضل الثناء ، وهو لا إله إلا اللّه ، فلهذا قلنا : إنه توحيد الحياة وتوحيد الكل ، وهو إخلاص التوحيد للّه من اللّه ومن العالم . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 66 إلى 67 ] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 66 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 67 ) [ لما كان المطلوب من خلقنا عبادة اللّه قرب إلينا الطريق بأن خلقنا من الأرض : ] خلق اللّه الإنسان من تراب الأرض ، أنزل موجود خلق ، ليس وراءها وراء ، ولما أراد اللّه أن يخلقنا لعبادته قرب الطريق علينا ، فخلقنا من تراب في تراب ، وهو الأرض التي جعلها اللّه ذلولا ، والعبادة الذلّة ، فنحن الأذلاء بالأصل ، لا نشبه من خلق نورا من النور وأمر بالعبادة ، فبعدت عليهم الشقة لبعد الأصل مما دعاهم إليهم من عبادته ، فلو لا أن اللّه أشهدهم بأن خلقهم في مقاماتهم ابتداء لم ينزلوا منها ، فلم يكن لهم في عبادتهم ارتقاء كما لنا ، ما أطاقوا الوفاء بالعبادة ، فإن النور له العزة ما له الذلة ، فمن عناية اللّه بنا لما كان المطلوب من خلقنا عبادته أن قرّب إلينا الطريق بأن خلقنا من الأرض ، التي أمرنا أن نعبده فيها ، وجعل تعالى هذه الأرض محلا للخلافة ، فهي دار ملكه ، وموضع نائبه الظاهر بأحكام أسمائه ، فمنها خلقنا وفيها أسكننا أحياء وأمواتا ، ومنها يخرجنا بالبعث في النشأة الأخرى ، حتى لا تفارقنا العبادة حيث كنا دنيا وآخرة ، وإن كانت الآخرة ليست بدار تكليف ولكنها دار عبادة . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 68 إلى 85 ] هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 68 )